أبي منصور الماتريدي

472

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : الآية في المنافقين ؛ يقول : [ اعملوا ] « 1 » فيما تستأنفون ؛ فإن الله يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم « 2 » فتفتضحون ، حيث يطلعون على سرائركم . وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ . أي : تردون إلى ما أعد لكم [ في ] عالم الغيب والشهادة . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . أي : يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون ؛ يخرج ذلك على الوعيد . وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم شهد جنازة والمؤمنون - أيضا - شهدوها ، فأثنى عليها ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « وجبت » ، فقيل : يا رسول الله ، ما وجبت ؟ قال : « الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض ، فإذا شهدتم وجبت » « 3 » . ثم [ قرأ ] « 4 » قوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ . فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع « 5 » ؛ لأنه قال : « الملائكة شهداء الله في

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : نفاقهم . ( 3 ) أخرجه النسائي في سننه ( 4 / 51 ) كتاب الجنائز باب الثناء ( 1932 ) . وبمعناه أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 466 ، 470 ) ، وأبو داود ( 2 / 237 ) كتاب الجنائز باب في الثناء على الميت ( 3233 ) ، وابن ماجة ( 3 / 43 - 44 ) كتاب الجنائز باب ما جاء في الثناء على الميت ( 1492 ) عن أبي هريرة . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) استدل الشافعي - رضي الله عنه - على حجية الإجماع في ( رسالته ) بقوله تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [ النساء : 115 ] قال في تقرير التحبير : ذكر السبكي : أن الشافعي استنبط الاستدلال بهذه الآية بعد أن تلا القرآن ثلاث مرات ، وأنه لم يسبق إليه ، وقد احتجوا بآيات أخرى ، ولكن هذه الآية أشهرها وأقواها دلالة ، ووجه الدلالة فيها أن الله - سبحانه وتعالى - جمع بين مشاقة الرسول ، واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ، فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين حراما ، إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد كالزنى ، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم ، إذ لا مخرج عنهما ، والإجماع سبيلهم ، فيجب اتباعه . قال السعد التفتازاني : قوله : ( إذ لا مخرج عنهما ) إشارة إلى أن حرمة اتباع غير سبيلهم ، وإن كانت أعم من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم ، لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتباع غير سبيلهم واتباع سبيلهم ؛ لأن ترك اتباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم ، إذ معنى السبيل هاهنا ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل ، وقد اعترض على هذا الدليل بوجوه كثيرة ، وانفصلوا عنها أصعبها ما نذكره ، وهو أن هذه الآية ظاهرة لعدم قطعية لفظ سبيل المؤمنين في خصوص المدعى ، وهو ما أجمع عليه واحتماله وجوها من التخصيص ، لجواز أن يراد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته ، أو في الاقتداء به ، أو فيما به صاروا مؤمنين ، وهو الإيمان ، وإن قام الاحتمال كان غايتها الظهور ، والتمسك بالظاهر ، إنما يثبت بالإجماع ، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن نحو قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] ، -